عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
127
اللباب في علوم الكتاب
ذلك فالآية دالّة على أن أحدا من المؤمنين لا يخلّد في النار ؛ لأنه بعمله الصالح استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما إليه - بحكم هذه الآية - والجمع بينهما محال ، فإما أن يقدم الثواب ، ثم يعاقب ، وهو باطل بالإجماع ، أو يقدم العقاب ، ثم ينقل إلى الثّواب . وهو المطلوب . فإن قيل : القوم طلبوا - أولا - غفران الذنوب ، وثانيا : إعطاء الثواب ، فقوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الجواب في طلب غفران الذنوب . فالجواب أنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثّواب إسقاط العذاب فصار قوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ إجابة لدعائهم في المطلوبين . قال ابن الخطيب : « وعندي - في الآية - وجه آخر ، وهو أن المراد من قوله : أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أي لا أضيع دعاءكم . وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت إجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه » . قوله : فَالَّذِينَ هاجَرُوا مبتدأ ، وقوله : لَأُكَفِّرَنَّ جواب قسم محذوف ، تقديره : واللّه لأكفّرنّ ، وهذا القسم وجوابه خبر لهذا المبتدأ . وفي هذه الآية ونظائرها من قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] وقول الشاعر : [ الكامل ] 1723 - جشأت فقلت اللّذ جشأت ليأتين * وإذا أتاك فلات حين مناص « 1 » ردّ على ثعلب ؛ حيث زعم أن الجملة القسمية لا تقع خبرا ، وله أن يقول : هذه معمولة لقول مضمر هو الخبر - وله نظائر . والظاهر أن هذه الجمل - التي بعد الموصول - كلّها صلات له ، فلا يكون الخبر إلا لمن جمع بين هذه الصفات : المهاجرة ، والقتل ، والقتال . ويجوز أن يكون ذلك على التنويع ، ويكون قد حذف الموصولات لفهم المعنى وهو مذهب الكوفيين كما تقدم ، والتقدير : فالذين هاجروا والذين أخرجوا ، والذين قاتلوا ، فيكون الخبر بقوله : لَأُكَفِّرَنَّ عمن اتصف بواحدة من هذه . وقرأ جمهور السبعة : « وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا » ببناء الأول للفاعل من المفاعلة ، والثاني للمفعول ، وهي قراءة واضحة . وابن عامر ، وابن كثير كذلك ، إلا أنهما شدّدا التاء من « قتلوا » للتكثير « 2 » ،
--> ( 1 ) ينظر شرح شواهد المغني 2 / 830 ، ومغني اللبيب 2 / 407 . والبحر المحيط 3 / 153 ، والدر المصون 2 / 289 . ( 2 ) انظر : السبعة 221 ، 222 ، والحجة 3 / 116 - 117 ، والعنوان 82 ، وحجة القراءات 187 ، وشرح الطيبة 4 / 185 ، 186 ، وشرح شعلة 330 ، 331 ، وإتحاف 1 / 498 ، 499 .